وزارة التراث والسياحة تفتتح المؤتمر الإقليمي لمكافحة الإتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية
انطلقت اليوم أعمال المؤتمر الإقليمي لمكافحة الإتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية الذي تنظمه وزارة التراث والسياحة بالتعاون مع اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم خلال الفترة من 17 إلى 19 نوفمبر الجاري تحت رعاية معالي السيد إبراهيم بن سعيد البوسعيدي محافظ مسندم وبحضور معالي سالم بن محمد المحروقي وزير التراث والسياحة ، إلى جانب نخبة من الباحثين والاكاديميين والمتخصصين في مجال الممتلكات الثقافية حيث يأتي تنظيم المؤتمر لإبراز دور سلطنة عُمان في حماية الممتلكات الثقافية، وتعزيز مشاركتها الدولية في مكافحة هذه الظاهرة والتصدّي لها، إلى جانب التأكيد على أهمية تكثيف الجهود والتعاون وتبادل الخبرات لحماية الممتلكات الثقافية وصونها.
كما يسعى المؤتمر إلى تسليط الضوء على مفهوم الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية وتعزيز التواصل الثقافي اقليمياً ودولياً والتعريف بالتراث الثقافي والحضاري لسلطنة عمان ومناقشة أفضل الممارسات والإجراءات والتدابير الاحترازية في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية واستعراض الجهود المبذولة المحلية والإقليمية والدولية لمكافحة هذه الظاهرة والتجارب والقصص الناجحة في رد وإعادة الممتلكات الثقافية إلى موطنها الأصلي ومناقشة دور تقنيات وبرامج الحفظ وصيانة وترميم الآثار في الحفاظ على التراث الثقافي المادي إلى جانب تسليط الضوء على دور التكنولوجيا في انتشارها وآلية استخدامها والحد منها ومكافحتها.
ويأتي انعقاد هذا المؤتمر تزامنًا مع اليوم الدولي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، الذي يصادف الرابع عشر من نوفمبر من كل عام، والذي أقرّته منظمة اليونسكو لرفع الوعي بأهمية مكافحة هذه الظاهرة وحماية التراث الإنساني المشترك .
وافتتح سعادة المهندس إبراهيم بن سعيد الخروصي وكيل وزارة التراث والسياحة للتراث المؤتمر بكلمة ذكر فيها : " إن حماية التراث الثقافي ليست مسؤولية وطنية فحسب، بل هي واجبٌ إنسانيٌ عالمي، لما تمثله هذه الممتلكات من ذاكرةٍ حضاريةٍ مشتركةٍ، تحفظ تاريخ الشعوب وهويتها وملامحها الأصيلة عبر العصور. لقد أدرك المجتمع الدولي مبكراً خطورة الإتجار غير المشروع بالتراث الثقافي، لما يسببه من خسائر فادحة للأمم وطمسٍ لهويتها الثقافية. ومن هنا جاءت اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح، والتي انضمت إليها العديد من الدول، تأكيداً لالتزامها بمبادئ صون التراث الإنساني المشترك ، وتكمن أهمية حماية الموروث الثقافي والحضاري والإنساني كونه يمثل هوية للشعوب وبعد انساني ولما لهذا الموروث من أبعاد ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية، كما نؤكد على التزام سلطنة عمان ودعمها للجهود الإقليمية والتعاون الدولي لحماية الممتلكات الثقافية من الاتجار غير المشروع الذي له أبعاد وتبعات سلبية تؤثر على الشعوب وهويتها ويؤدي إلى فقدان جانب من تراثها الثقافي "
كما أضاف سعادته : " إنه لمن دواعي الفخر أن نؤكد أن سلطنة عُمان كانت من أوائل الدول التي انضمت إلى هذه الاتفاقية، انطلاقاً من إيمانها العميق بأهمية حماية التراث الثقافي وصونه من العبث والتدمير، وتجسيداً لنهجها الثابت في احترام القوانين الدولية التي تعزز التعاون والتضامن بين الشعوب. وفي هذا الإطار، تبذل وزارة التراث والسياحة جهوداً حثيثة في مواجهة الإتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، من خلال سنّ القوانين والتشريعات الوطنية، وتطوير آليات الرقابة والتوثيق، وبناء القدرات الوطنية في مجالات الحماية والصيانة، إلى جانب التعاون المستمر مع المنظمات الدولية والإقليمية لتبادل الخبرات وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية حماية التراث الثقافي وصيانته " .
فيما ألقى سلطان بن سيف البكري مستشار معالي وزير التراث والسياحة للتراث كلمة قال فيها : " يأتي إقامة المؤتمر الإقليمي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية تعزيزًا للتعاون وتضافر الجهود الإقليمية والدولية لحماية التراث الثقافي المادي، وصونه من الممارسات غير المشروعة التي تنتهك الإرث الحضاري والتاريخي للشعوب، كعمليات السلب والنهب والعبث بالمواقع الأثرية، والاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية المنقولة والمنزوعة من سياقها الأثري ، لذا فإن الحفاظ على هذا الإرث الثقافي هو مسؤولية وطنية وإقليمية ودولية مشتركة . إننا نجتمع اليوم حول هدفٍ نبيلٍ ومسؤوليةٍ مشتركة، تتمثل في الحفاظ على الإرث الثقافي الذي يُعد شاهدًا على حضارة الأمم وثقافاتها، وتجسيدًا لهويتها التاريخية، ووسيلةً لتعزيز التواصل الإنساني والحضاري عبر العصور، ولقد أولت وزارة التراث والسياحة اهتمامًا بالغًا بحماية التراث الثقافي ومكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، من خلال رفع مستوى الوعي المجتمعي، وبناء قدرات الجهات المعنية، واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة، إلى جانب تعزيز التواصل والتنسيق المستمر مع المؤسسات الإقليمية والدولية ذات الصلة وتجسيدًا لدور السلطنة في صون التراث الثقافي، ومن منطلق التعاون الإقليمي والدولي، يأتي تنظيم هذا المؤتمر ضمن جهود الوزارة وبالتعاون مع اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم والمكتب الاقليمي لمنظمة اليونسكو بدولة قطر الشقيقة ، بهدف تعزيز حماية واستدامة التراث الثقافي المادي.
وتزامن مع افتتاح المؤتمر تدشين الدليل الاسترشادي للممتلكات الثقافية المعرضة للاتجار غير المشروع وعرض فيلم مرئي يوضح جهود سلطنة عُمان في مجال التراث الثقافي بالإضافة إلى افتتاح المعرض المصاحب للمؤتمر ويُعرض من خلاله عدد من المقتنيات الأثرية والثقافية التي تم ضبطها في مختلف المنافذ الحدودية، و قطعًا أثرية قام مواطنون بتسليمها للوزارة تعزيزًا لجهود حماية التراث الوطني، إلى جانب مقتنيات تمت مصادرتها وفق الإجراءات القانونية المعتمدة منها عقود حجرية وصدفية وعملات فضية ورؤوس رماح من البرونز والنحاس وتماثيل وأختام معدنية تعود إلى العصور القديمة . كما تضمن المعرض مقتنيات أثرية مميزة وعينات من النيازك النادرة تسلط الضوء على جهود الوزارة وبرامجها المختلفة في حماية التراث الجيولوجي وتوثيق العينات النيزكية لتعريف الزوار بأهمية هذه العينات التي تُسهم في دراسة تاريخ النظام الشمسي وتطور الكواكب وعلوم الأرض ، بالإضافة إلى عرض الأجهزة والأدوات التي يتم استخدامها للكشف عن المواد والسلع المحظورة في المنافذ البرية والجوية والبحرية بمشاركة الإدارة العامة للجمارك .
الجلسة الأولى
عقدت في اليوم الأول للمؤتمر الإقليمي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية جلستين شارك فيهما باحثون ومختصون من مختلف الدول لمناقشة محاور مثرية تُعنى بحماية الممتلكات الثقافية والتراث الثقافي المادي ، حيث كانت الجلسة الأولى بعنوان حماية التراث الثقافي المادي ومكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية من منظور الاتفاقيات والاستراتيجيات الدولية ، ونُوقش فيها 4 أوراق عمل ، الأولى بعنوان الدور التشريعي للمجلس الدولي للمتاحف ICOM في حماية الممتلكات الثقافية (مدونة أخلاقيات المتاحف( قدمها معطي بن سالم المعطي مدير عام مساعد للمتاحف بوزارة التراث والسياحة وتتناول قضية الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، بوصفها تهديدًا مباشرًا للهوية الحضارية والذاكرة الجماعية للشعوب ، وتستعرض دور منظمة ICOM (المجلس الدولي للمتاحف) في وضع مدونة أخلاقيات تهدف إلى حماية التراث الثقافي من السرقة والتهريب والتزوير، من خلال مبادئ الحيازة القانونية، التوثيق، الشفافية، والتعاون الدولي. كما تسلط الضوء على المخاطر المترتبة على الاتجار غير المشروع، مثل تمويل الجريمة المنظمة وتدمير الإرث الثقافي، مع عرض أمثلة واقعية من دول تأثرت بهذه الظاهرة وعرض القوائم الحمراء التي تصدرها المنظمة، وتُعد أدوات مرجعية لمنع تداول القطع الأثرية المنهوبة.
وناقشت الورقة الثانية استراتيجية مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في العالم العربي ( الألكسو( قدمها الدكتور مصطفى الجلوق خبير الالكسو وعرض فيها تجارب ونماذج من الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في البلدان العربية والاتفاقيات التي أبرمت للحد من هذه الظاهرة والقوانين والتشريعات والتحديات التي تواجه القائمين على محاربتها .
أما الورقة الثالثة فكانت بعنوان اتفاقية اليونسكو 1970 الأهمية والحماية والتطلعات قدمها أيمن بن هلال المعولي رئيس قسم التراث المادي في اللجنة الوطنية العمانية للتربية والثقافة والعلوم بوزارة التربية والتعليم وعرض قيها مفهوم الممتلكات الثقافية والسياق التاريخي لاتفاقية 1970 ومضامينها ، ونموذج (PESTEL) وهو أداة تحليل استراتيجية تُستخدم لفهم العوامل الخارجية التي تؤثر على السياسات أو الاتفاقيات أو المؤسسات، وتطبيقات اتفاقية اليونسكو 1970 في سلطنة عُمان وفق هذا النموذج.
الجلسة الثانية
عُنيت الجلسة الثانية للمؤتمر في يومه الأول بالأطر التشريعية لحماية الممتلكات الثقافية والإتجار غير المشروع بها في القوانين الوطنية وقدمت فيها أربع أوراق عمل ، جاءت الورقة الأولى فيها بعنوان الإطار التشريعي لحماية الممتلكات الثقافية في القانون الوطني قدمها الدكتور بدر بن ناصر الخميسي مدير الدائرة القانونية بوزارة التراث والسياحة وتناول فيها التراث الثقافي وضوابط المسح والتنقيب عن الآثار من حيث الالتزامات الواجبة والإجراءات القانونية والحماية المدنية والجنائية والادارية للتراث الثقافي .
وقدمت الدكتورة أسماء المهديوي من منظمة الإيسيسكو ورقة عمل بعنوان استراتيجية مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية في العالم الإسلامي (الإيسيسكو( تطرقت من خلالها إلى استراتيجية الايسيسكو لمكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية ووثيقة تعزيز استرداد الممتلكات الثقافية في العالم الإسلامي وعمل اللجنة الاستشارية لتعزيز استرداد الممتلكات الثقافية في العالم الإسلامي .
وجاءت الورقة الرابعة بعنوان أطر الحماية القانونية للممتلكات الثقافية في القانون الدولي والوطني قدمها النقيب مكتوم بن راشد الدهماني رئيس قسم الملكية الفكرية بإدارة الشؤون الجمركية بشرطة عُمان السلطانية تحدث فيها عن دور الإدارة العامة للجمارك في مكافحة الإتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية من خلال ممكنات العمل الجمركي في مجال مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية ومبادرات وجهود جمارك سلطنة عمان في مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية .
الجدير بالذكر بأن برنامج المؤتمر الإقليمي لمكافحة الإتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية سيتواصل يوم غد من خلال عدة جلسات تناقش عدد من المحاور المثرية في مجال تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في حماية التراث الثقافي المادي وتحديات وتجارب الدول في استرداد الممتلكات الثقافية لموطنها الأصلي والتثقيف والتوعية المجتمعية التي تعتبر ركيزة الاستدامة في الحماية الثقافية.
كما تجدر الإشارة إلى أن سلطنة عمان تعتبر من أوائل الدول التي انظمت إلى اتفاقية اليونسكو1970 المعنية بالتدابير الواجب اتخاذها لحظر ومنع استيراد وتصدير ونقل ملكية الممتلكات الأثرية بطرق غير مشروعة بمرسوم سلطاني رقم (69/77)،ويأتي دور المؤتمر للتعريف بظاهرة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية وزيادة الوعي بأهمية الحفاظ على التراث الثقافي المادي كما يركز المؤتمر على أهمية التعاون الوطني والإقليمي والدولي وتبادل التجارب والمعرفة وأفضل الممارسات وخلق قنوات تواصل بين المختصين في سلطنة عمان والمؤسسات الإقليمية والدولية لفتح افق التعاون لمجابهة هذه الظاهرة وحماية التراث الثقافي المادي واستدامته.